top of page
  • صورة الكاتبمستشار أول الطب الشرعي الدكتور هاني جهشان

العنف الجنسي ضد المراهقات


العنف الجنسي ضد المراهقات
العنف الجنسي ضد المراهقات

عوامل الخطورة لإرتكاب العنف الجنسي:

للعنف الجنسي دوافع وأشكال مختلفة ويحدث في بيئات متفاوتة ومن قبل أشخاص هم قريبن من الضحية في أغلب الأحيان وتربطهم بها علاقة تتصف بالإستغلال، وعليه فإن عوامل الخطورة لحدوث العنف الجنسي معقدة وتتآثر ببعضها البعض تراكميا، وكلما كان هناك المزيد من العوامل فإن إحتمال حدوث العنف الجنسي يكون أكبر. وتشمل هذه العوامل: فقد المرجعية الأخلاقية لدى المعتدي وأرتباطه بمعايير معزولة مركزها الجنس بعيدا عن المرجعية الإجتماعية الثقافية الدينية السائدة في المجتمع، وشيوع معايير إجتماعية تدعم التفوق الجنسي للرجل وتربطه بالقوة والعظمة والسيطرة والذكورة والرجولة، وأما عوامل الخطورة المتعلقة بالمعتدي والذي يتصف بالمغامرة وبشخصية إنعزالية مضادة للمجتمع، وبالعداء إتجاه النساء، وبتعرضه لإستغلال جنسي أو مشاهدته أنشطة جنسية أثناء طفولته، وتعوده على تعاطي الكحول والمخدرات، ويتصف المعتدي أيضاً بوجود خلل في إدراك مفهوم الجنس الطبيعي، وعادة ما يتصف بممارسته الجنس الخيالي، وإستعماله للصور الخلاعية الإباحية، كما أن المعتدي جنسيا يفصل ما بين العلاقة الجنسية والروابط العاطفية، ويعتبر الأنثى، أية أنثى، خصماً مواجهاً يجب تحديه وإخضاعه بالجنس.

يمكن أن يأخذ العنف الجنسي أشكالاً كثيرة ويحدث في أحوال مختلفة فقد يحدث الانتهاك من قبل فرد أو عدة أفراد، وقد يتم التخطيط المسبق لهذا الحدث أو يحدث الهجوم فجأة وبدون تخطيط. بالرغم من أن العنف الجنسي يقع كثيراً من الأحيان في بيت الضحية، أو في بيت الجاني، إلا أنه قد يحدث أيضاً في أماكن أخرى مثل أماكن العمل، والمدارس، ومؤسسات الرعاية الإجتماعية، والسيارات، والشوارع، والأماكن المفتوحة مثل الحدائق أو المزارع. قد يكون مرتكب العنف الجنسي على معرفة شخصية بالضحية، أو عضو من أعضاء أسرتها، وقد يكون من الغرباء من غير المعروفين للضحية، ولكن الأكثر شيوعاً أن يكون شخصاً معروفاً للضحية.


عواقب العنف الجنسي على الأطفال وعلى أسرهم:

العنف الجنسي ضد المراهقة يشكل صدمة كبيرة وجرح عميق ينتج عنه عواقب وأثار تعتمد أشكالها على نوع العنف، وشدته، ومداه الزمنى وتكراره، وعلى علاقة المعتدي بالضحية، وتعتمد أيضا على مرحلة نمو المراهقة، وآليات تطور الحماية الذاتية لديه، وتوفر البيئة الداعمة لها، وعلى الأحداث الإيجابية أو السلبية التي قد يتعرض لها أثناء تقديم الرعاية المهنية لها بما فيها الكشف الطبي وأيضا على مهنية وكفائة تلقييه العلاج المناسب في الوقت المناسب، وكون ضحية العنف الجنسي مراهقة يفاقم هذه العواقب بسبب الثقافة السائدة والوصمة من فقدان الطفلة لعذريتها أو حصول حمل إذا كانت الطفلة بعمر البلوغ.

تسبب صدمة العنف الجنسي توترا يحدث تغييرا بالمجال النفسي للمراهقة يأخذ أحد مسارين سريريا ففي بعض الحالات يكون على شكل (1) حالة نفسية قابلة للتجاوز بسهولة بالعودة الى الحالة الطبيعية،إلا أنه في الأعم الأغلب من الحالات يكون على شكل (2) حالة نفسية غير قابلة للتجاوز بسبب استحالة نسيان صورة العنف والإخفاق بالتعبير عن الذات، ويصبح التذكر المؤلم لحادثة العنف الجنسي كالجسم الغريب داخل نفس المراهقة لاتستطيع أن تتخلص منه مدى حياتها.

تعاني المراهقة التي تعرضت للعنف الجنسي من ضعف الإقبال على الأنشطة المعتادة واللعب، ومن تردي عادات النظافة، وركود في النمو اللغوي، وظهور شعور بالبعد والغرابة عن المحيط، وتدهور مشاعر الحب والتعلق، ومن بروز نظرة خوف وتشاؤم وشعور بالفشل وفقدان الثقة بالذات، وتولد صورة سلبية للجسد، والشعور بالذنب والخجل والخزي. في المجال الإجتماعي قد تعاني الطفلة من الانطوائية والعزلة، ومن الخجل الاجتماعي، وعدم القدرة مواجهة الآخرين، وقد يتولد لديها العدوانية والاندفاع الشديد، او الرهاب لاجتماعي. في المجال المعرفي قد تعاني الطفلة من تأخر في تطور اللغة، او اضطرابات النطق، تشتت الانتباه وصعوبة التركيز، والشرود الذهني، ومن الفشل بالتحصيل وبالإنجاز المعرفي، وأيضا من اضطراب في الذاكرة على صعيد التخزين والاسترجاع، وبالتالي صعوبات بالتعليم والفشل الدراسي.

التأثير على أسرة المراهقة التي تعرضت للعنف الجنسي له أهمية موازية للعواقب التي تعرضت لها الطفلة، فأعضاء الأسرة يعانون أيضا من اضطرابات ما بعد الصدمة، وهو ما يصيب القدرة الجماعية للأسرة على التفكير، مما يضع الجميع في حالة من المعاناة تضاهي الكارثة، وكل أسرة تتصرف بقدرتها الخاصة على التصرف حيال الصدمة تبعا لماضي الأسرة، فهناك من يستطيع التجاوز، ولكن من لم يستطيع فهو محتاج بالتأكيد للعلاج.


المعانة النفسية أثناء تعرض الطفلة للكشف الطبي الشرعي:

لا يجرى أي كشف طبي، بما في ذلك الكشف الطبي على ضحايا العنف الجنسي، الإ بوجود داعي واضح وجلي لهذا الإجراء يوازن ما بين المنفعة منه وما بين أي معاناة تنتج عنه، فقد ورد بالمادة 2 من الدستور الطبي "كل عمل طبي يجب أن يستهدف مصلحة المريض المطلقة وان تكون له ضرورة تبرره وان يتم برضائه أو إرضاء ولي أمره إن كان قاصرا أو فاقدا لوعيه."

يتوقع أن يكون الكشف الطبي الشرعي على ضحايا العنف الجنسي بما فيهم الأطفال، بمهنية عالية وبمرجعية معرفية ومهارة (كما هو موثق أدناه عن دور الطب والطب الشرعي...) بهدف أساسي يجمع ما بين إثبات الجريمة وجمع الأدلة وبين تقديم العلاج الجسدي والنفسي والتأهيل الإجتماعي، ويشمل ضمان قدرة الضحية على الحفاظ على كرامتها بعد الاعتداء الذي تسبب في شعورها بالمهانة والاحتقار، كما وينبغي تقديم الخدمات الطبية والطبية الشرعية بأسلوب يقلل من عدد الفحوصات الجسدية ويقلل من عدد المقابلات المطلوب إجراؤها مع الضحية.

إذا لم يتم الكشف بمهنية ومهارة فإن الكشف بكل تأكيد سيكون عقيما بدون فائدة وقد يؤدي إلى تفاقم العواقب التي يعاني منهاالطفل بسبب الإعتداء.

* * * *

ما هو دور الطب والطب الشرعي في التعامل مع ضحايا العنف الجنسي المراهقات؟

في الأردن ومن خلال عيادات الطب الشرعي والعيادات الريادية لحماية الأسرة تم تطوير الخدمات الصحية المقدمة لضحايا العنف الجنسي حيث يخضع جميع الضحايا للكشف الطبي على أيدي مختصين في مجال الطب الشرعي مدربين تدريبا متخصصا في التعامل مع هذا النوع من العنف في محيط يتوفر فيه المعايير الصحية القياسية بشكل يضمن منع خضوع الضحية للفحص الطبي المتكرر، وبمرجعية إجرائية موحدة.

عند تقديم الخدمات لضحايا العنف الجنسي، تعتبر أخلاقيات مهنة الطب مبادئ أساسية تحدد العلاقة المهنية والقانونية بين الطبيب والمعتدى عليه أو عليها وتشمل ما يلي: الاستقلالية وهي حق الضحية في اتخاذ قراراتها بنفسها حيث تعتمد جميع الخطوات المتخذة لتقديم الخدمات الصحية على الموافقة الواعية للضحية بما يتناسب وعمرها، ويتوقع من الطبيب دائما أن يتصرف بما يحقق أفضل فائدة ونفع للضحية، وعدم الإضرار بها بتجنب أي إجراء به خطر كامن لأذى او ضرر من الممكن أن يصيبها وعمل ما هو مستحق أن يعمل لتوخي العدل والإنصاف والحيادية، وعليه يتوقع من الطبيب أن يكون على وعي تام باحتياجات ورغبات الضحية وإظهار الحساسية والتعاطف معها وبنفس الوقت الحفاظ على الموضوعية.

عند تقديم خدمات الرعاية الطبية لضحايا العنف الجنسي يتوقع من الأطباء أن يكون سلوكهم بعيدا عن التحيز والإجحاف، وأن يحافظوا على مستويات أخلاقية عالية عند تقديم هذه الخدمات والتي يجب أن تكون سهلة الوصول للضحايا مع ضمان الأمن والسلامة والخصوصية، وينبغي أن تكون صحة ومصلحة ضحايا العنف الجنسي دائماً هي أهم أولويات الطبيب من مثل معالجة الإصابات، والتقييم والتدبير العلاجي التداركي للحمل والعدوى المنقولة جنسيا، وإنه لمن الإهمال الطبي أن يجرى الفحص الطبي الشرعي وضبط الأدلة الجنائية بدون التركيز على متطلبات الرعاية الصحية من الوقاية من الأمراض الجنسية المعدية وتوفير علاج منع الحمل التداركي.

يمتد الاهتمام بصحة ومصلحة الضحية ليشمل الدعم النفسي الذي يضمن قدرتها على الحفاظ على كرامتها بعد الاعتداء الذي قد يتسبب في شعورها بالمهانة والاحتقار ويجب أن يوضح لها خيارات المتابعة الطبية النفسية اللاحقة المتوفرة وسبل الوصول إلى هذه الخدمات، ومن الممكن أن يساهم الطبيب الشرعي بذلك وبطريقة غير مباشرة بالتقليل من عدد المقابلات والفحوصات الجسدية التي يتوقع أن تجرى للضحية.

يهدف إجراء الكشف الطبي الشرعي إثبات حصول العنف الجنسي وتحديد ماهيته النشاط الجنسي الذي قام به المعتدي لإن في ذلك تحديد مباشر لماهية الجريمة، ويشمل ذلك توثيق الإصابات في عموم الجسم وفي منطقة الأعضاء التناسلية والمنطقة الشرجية، وكذلك جمع الأدلة بمسحات قطنية من جسم الضحية وملابسها للتحري بها عن أية بقع مشتبهة تعود للمعتدي، ويتضمن الكشف التحري عن وجود الأمراض الجنسية المعدية وعلامات الحمل، كما ويهدف الكشف الطبي اتخاذ كافة المحاذير لمتابعة عواقب العنف الجنسي المحتملة، كما يهدف الكشف الطبي التأكيد للضحية وأقاربها بعدم وجود عواقب للعنف الجنسي الذي تعرضت له، فيكون عامل دعم نفسي ويشكل اولى مراحل العلاج النفسي.

يعتمد توقيت الكشف الطبي على ضحايا العنف الجنسي بشكل أساسي على ماهو أفضل للضحية تأسيسا على الحاجة الطارئة للتداخلات العلاجية للإصابات التي تعرضت لها والتي قد تشكل خطر مباشرا على حياتها في بعض الحالات، وأيضا على الحاجة لإعطائها عقار منع الحمل التداركي الذي يجب أن يعطى خلال فترة لا تتجاوز 72ساعة من وقت الإعتداء، كما ويجب أن يجرى الكشف الطبي في وقت مناسب قبل التئام الإصابات بهدف توثيقها وبالتالي تحديد ماهيتها والتعرف على كيفية حدوثها، كما وأن جمع الأدلة الطبية الجنائية من جسم الضحية والتي تثبت الجريمة يجب أن يجرى في وقت مبكر قبل زوالها بعامل الوقت أو بسبب الإستحمام.

مكان إجراء الكشف الطبي الشرعي: تقدم خدمات الطب الشرعي وخدمات الرعاية الصحية للضحية في آن واحد وفي نفس العيادة، وينبغي أن يكون ضحايا العنف الجنسي قادرين على الحصول على الخدمات على مدار 24 ساعة بمكان يتصف بالآمان والأمن والخصوصية، وعليه يعتمد مكان إجراء الكشف الطبي على طبيعة الحالة فقد يكون في عيادات المركز الوطني للطب الشرعي أو عيادة الطب الشرعي في المراكز متعددة التخصصات من مثل إدارة حماية الأسرة أو اقسامها في المحافظات، وفي الحالات التي يرافقها إصابات شديدة يكون الكشف الطبي في عيادات الطوارئ أو أقسام المستشفيات وفي بعض الحالات النادرة من الممكن إجراء الكشف الطبي الشرعي في غرفة العمليات إذا كانت حالة المعتدى عليها تستدعي إجراء تداخل جراحي عاجل.

ماهية الكشف الطبي الشرعي: يجب أخذ الموافقة من الضحية مهما كان عمرها، كما ويجب اخذ الموافقة الخطية من ولي الأمر أذا كانت الضحية طفلا أقل من 18 سنة، ويهدف أخذ سيرة التعرض للعنف الجنسي وظروفه للتحقق من حدوث العنف، ولتقرير أي الفحوص يجب أجرائها، كما ويشكل تواصل الطبيب مع الضحية بداية تقديم العلاج النفسي لها ويجب أخذ سيرة الإعتداء مرة واحدة فقط من قبل طبيب متمرس، على أن توثق وتعتبر جزءا أساسيا من الكشف الطبي.

يتم التحضير للكشف الطبي بشرح كافة الإجراءات للضحية بما يتناسب وعمرها فيتم شرح وضعية الكشف، ويوضح للضحية أن إجرائته غير مؤلمة، وتشارك الضحية في تحديد الأشخاص المساعدين الذين من المتوقع تواجدهم في غرفة الكشف الطبي، ويتم الكشف السريري العام بتوثيق الإصابات في عموم الجسم من قبل طبيب متمرس في هذا المجال ويفضل أن يكون من قبل طبيب واحد على أن يتم التوثيق الرقمي بالحاسوب، كما ويتم إستخدام جهاز الكولبوسكوب لتوثيق الإصابات والعلامات في منطقة الأعضاء التناسلية رقميا بالحاسوب، ويتم ضبط الأدلة الجرمية بإستخدام "طقم العينات القياسي للاعتداءات الجنسية"

الدكتور هاني جهشان، مستشار الطب الشرعي

الخبير الاقليمي ولدى الأمم المتحدة في مجال مواجهة العنف


٢٠ مشاهدة
bottom of page