بحث

جريمة الزرقاء، عصابات الفتيان، البواعث، الوقاية، الردع


#جريمة_الزرقاء: #عصابات_الفتيان:

يشير علم النفس الجنائي أن عصابات الفتيان هي مجموعات من الشباب من ثلاث أشخاص أو أكثر، غير مسيطر عليها وغير خاضعة للإشراف الأسري أو المدرسي وتتصف بشيوع الجنوح بين أعضائها، تتباهى وتستمتع بارتكاب العنف وبالإضرار بالأخرين وسلب المال والسرقة، يلتقون عادة بانتظام وينشأ فيما بينهم عُرف غير مكتوب يتعلق بمعايير العضوية وأنواع السلوكيات التي تصنف أنها مقبولة، وتكون التفاعلات والقرارات بين الأعضاء وفقا لشروط خاصة بهم معروفة لديهم. نواة عصابات الفتيان قد تنشأ منفردة إلا أنها في الأعم الأغلب تنشأ بظروف لها علاقة بمراكز الإصلاح ودور رعاية الأحداث، أو من خلال مؤسسات الجريمة المنظمة أو المنظمات الإرهابية، أو عصابات تهريب المخدرات أو غسل الأموال أو الإتجار بالبشر.

الجرائم المرتكبة من خلال عصابات الفتيان أو العصابات المسلحة تتصف بأنها أشد خطورة وقسوة من الجرائم المرتكبة خارج العصابة، ويكون تكرار ارتكاب الجرائم كبير من خلال العصابات، وأيضا تكون العواقب النفسية والاجتماعية والاقتصادية أكثر ضرار في جرائم العصابات مقارنة مع ارتكاب الجرائم خارجها.

القانون: ما حدث مؤخرا فيما عرف بجريمة الزرقاء ينطبق عليها نص المادة 158 من قانون العقوبات الأردني بأنها جريمة تشكيل العصابات المسلحة بقصد سلب المارة والتعدي على الأشخاص أو الأموال أو ارتكاب اللصوصية وتكون العقوبة الإعدام إذا أدت هذه الأفعال الى موت أو تعذيب إنسان، وأيضا ينطبق عليها نص المادة 335 المتعلقة بإحداث عاهة دائمة قصدا وتكون العقوبة بحد أقصى الأشغال الشاقة المؤقت عشر سنوات يضاف إليها فترة من ثلثها إلى نصفها إذا ارتبطت بتعذيب المجني عليه، وأيضا قد تندرج تحت جريمة الخطف.

واقع الحال يشير الى أن أنماط جرائم عصابات الفتيان أو العصابات المسلحة عموما غير شائع في الأردن، وقد يكون هناك بعض جرائم سلب المال من المحال التجارية بما يعرف بالإتاوات أو جرائم الإيذاء المقصود ما بين أصحاب الأسبقيات الجرمية، ولكنها لا تصل لمرحلة تشكيل عصابة، كما حدث مؤخرا بجريمة الزرقاء، وحدوث هذه الجريمة وبهذا الشكل، ورغم الادعاء بوجود دافع الثأر، إلا أنها تشكل مؤشر خطير على وجوب التدخل العاجل وقائيا لمنع هذا النمط من جرائم الفتيان.

البواعث وراء ارتكاب جرائم التعذيب والخطف والقتل والانضمام الى العصابات الجرمية:

هي عبارة عن طيف من عوامل الخطورة، في أحد طرفي هذا الطيف تقع عوامل خطورة اجتماعية خارجية، وفي الطرف الآخر من الطيف تقع جرائم القتل الناتجة عن عوامل خطورة نفسية داخلية يعاني منها المجرم، وما بين طرفي الطيف تتشكل عوامل خطورة البيئية والظرفية والاندفاعية والقهرية.

عوامل الخطورة الاجتماعية تشمل الفقر والبطالة وضعف التشريعات الرادعة وتراخي تنفيذ العقوبات في البيئات التي تعظم ثقافة العنف وتتقبل تعنيق الأضعف في المجتمع.

البواعث الانفعالية في ارتكاب الجرائم يتميز الجناة بهذه المجموعة بكونهم طائشون في المقام الأول من خلال نمط حياتهم، والتي تنطوي على غياب الهدف في الحياة، العشوائية، وعدم القدرة على توقع سلوكياتهم وردود أفعالهم، ويمكن تمييزهم عن المجرمين الأخرين من خلال تكرار أنشطتهم المعادية للمجتمع.

البواعث القهرية، في هذه المجموعة يكون المجرم محفزا بالمتعة وفي جوهره نمط من الأثارة، وهذه الأثارة تكون مرتبطة بالفعل الجرمي نفسه، فهناك من يخططون لجرائمهم بالتفصيل وبطقوس في مسرح الجريمة، ويتركون بصمتهم الخاصة بارتكابهم الجريمة، كما حصل فيما عرف بجريمة الزرقاء. عادة ما يكون لديهم اضطرابات نفسية، واجتماعية، ونرجسية، ومعادية للمجتمع.

مرجعيات مواجهة العنف والجريمة:

الردع بتشديد العقوبة بالاعدام ام الأولية الوقاية قبل حصول الجريمة؟

مطالبة الشعب الأردني بتشديد العقوبة بالإعدام لمرتكب جريمة الزرقاء امر متوقع وهو رد انفعالي غير مستغرب، لكن القانون لدينا في الأردن وضعي والنصوص لا تسمح بالإعدام وان سمحت بجرائم محددة فانه لا ينفذ، وبكل الأحوال وبمرجعية علم الجريمة فإنه لم تثبت الدراسات أن تشديد العقوبة على أي جريمة يؤدي للردع العام في المجتمع بدون برامج وقائية تتعامل مع جذور الجريمة وكبح بواعثها بحيث تكون هذه البرامج معدة بما يتناسب مع المجتمع ويكون هناك رصد لتنفيذها وقياس لنتائجها، ويتوقع أن تشمل هذه البرامج تأهيل المجرمين لمنع التكرار من النواحي النفسية والاجتماعية والمهنية.

أولا: إن المرجعية الأساسية في مواجهة العنف والجريمة، هو أن هناك سلطة للحكومة يعبر عنها بوجود أطر قانونية نافذة تطبق على جميع المواطنين بالتساوي، فمقياس النجاح في مواجهة العنف هو قوة الردع المتمثلة بالمدى الذي تستطيع الدولة من خلاله تطبيق قوانينها الجزائية بقوة وحزم على مرتكبي الجرائم، وتنفيذ قوانينها المتعلقة بالوقاية من العنف قبل حدوثه ومنع تفاقم عواقبه بعد حدوثه. ثانيا: المرجعية الثانية في مواجهة العنف والجريمة تتمثل بتطبيق الحكومة لسياسات توفر الحماية الإجتماعية للمواطنين، بترسيخ التكامل الاجتماعي في مواجهة التفرقة، التعصب، الاضطهاد، النفور، والكراهية، والانفصالية.

تأسيسا على المرجعيات المشار إليها أعلاه يتوقع من الحكومة أن تضع إستراتيجية وطنية للوقاية من العنف والجريمة على أن تضمن تنفيذها بخطة عمل قابلة للمراقبة والتقييم.

ويتوقع أن تهدف الإستراتيجية الوطنية للوقاية من العنف والجريم ما يلي:

1) تحقيق البنية الإجتماعية العادلة والثابتة، وبناء الروابط بين المجموعات السكانية بناء على العدالة والمواطنة والمساوة كعنصر أساسي وقائي لمنع العنف والجريمة.

2) تطوير الموارد البشرية والعمل بطرق مختلفة لإدماج المواطنين في مشاريع تنموية.

3) إدماج الوقاية من العنف والجريمة في السياسات الإجتماعية والثقافية للمجتمعات المحلية لمواجهة ثقافة تقبل العنف.

4) المحافظة على الأمن والآمان في المجتمعات المحلية بما في ذلك مواجهة الانتشار غير القانوني للأسلحة الصغيرة، ومواجهة انتشار المخدرات والعقاقير المهلوسة.

5) وضع برامج تهدف لاعتماد مبدأ اللاعنف من قبل فئة الشباب اليافعين في الجامعات والمدارس والمجتمعات المحلية والوصول لآليات تكشف مبكرا نزعات العنف لديهم.

6) وضع آليات لضمان الاستجابة المهنية لحماية ضحايا العنف وضحايا الجريمة من الناحية الصحية والنفسية والاجتماعية وكذلك القانونية بضمان رد الضرر والتعويض.

ليس العنف وليست الجريمة أمورا حتمية علينا تقبلها، فهي آفات من الممكن علاجها ومن الممكن الوقاية منها إذا تحمل المواطن والأسرة والعشيرة والدولة أدوارهم بمسئولية، كل في مجاله.

الدكتور هاني جهشان، مستشار الطب الشرعي

الخبير في حقوق الإنسان ومواجهة العنف

61 عرض
هاتف 962795522062.JPG