بحث

الإخفاقات الحكومية بحماية العاملين الصحيين من عدوى كورونا


تتحمل الحكومة المسؤولية المباشرة على حماية المواطنين من عدوى كوفيد-19 من خلال خدماتها الوقائية والعلاجية، ومركب رئيسي من هذه الحماية هو ضمان وجود كوادر صحية متخصصة ومدربة ومؤهلة، وبصحة جسدية ونفسية جيدة، وإذا تراخت الحكومة بحماية الكوادر الصحية وتفشى الوباء بينهم فأنها تعرض الشعب بكامله لمزيد من خطر الوباء وتغامر بالصحة العامة للوطن.

لا يوجد حكومة أو وزارة صحة أو مستشفى أو عيادة في العالم تستطيع أن تحافظ على صحة المواطنين بدون أن تحافظ بدايةً على صحة وسلامة الكوادر الصحية، فقد شمل ميثاق منظمة الصحة العالمية أنه على الحكومات الأعضاء في المنظمة أن تضمن معاير سلامة جيدة للعاملين الصحيين، التدريب المهني المتخصص، الأجور المناسبة، والدعم النفسي والاحترام الذي يستحقونه. فالحفاظ على الكوادر الصحية هو ركن أساسي لنظام صحي فعال وبالتالي مجتمع صحي سليم.


على العموم يشمل واجب وزارة الصحة، حماية الكوادر الصحية، من خلال خمسة محاور:

(1) الحماية من العنف في بيئة العمل.

(2) توفير الدعم النفسي للعاملين الصحيين.

(3) الحماية من المخاطر الفيزيائية والكيماوية والبيولوجية.

(4) توفير برامج حماية الكوادر الصحية على المستوى الوطني.

(5) دمج سياسات الحماية للكوادر الصحية في السياسات العامة لوزارة الصحة.


نسب عدوى العاملين الصحيين بفيروس كورونا:

عرّض كوفيد-19 العاملين بالقطاع الصحي وأسرهم لمستويات غير مسبوقة من المخاطر الوبائية، وتشير الدراسات المسندة أن نسبة العدوى ما بين العاملين في القطاع الصحي وأسرهم هي اعلى بكثير من نسبة العدوى في المجتمع.

على الرغم من أن نسبة العاملين في القطاع الصحي هي اقل من 3% من السكان في أغلب دول العالم واقل من 2% في الدول ذات الدخل المتوسط والمتدني، إلا أن الأرقام الموثقة لدى منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن معدل نسبة الإصابة بكوفيد-19 ما بين الكوادر الصحية حول العالم تتراوح بين 5 إلى 7 أضعاف النسبة المنتشرة بين السكان، ووصلت في بعض الدول 17 ضعف. على الرغم من صحة هذه الأرقام إلا انه لم يكن من المستطاع لغاية الآن التفريق فيما إذا كانت إصابة بعضهم من مكان عملهم أو من المجتمع المحلي، وسجلت منظمة الصحة العالمية وفاة الآلاف من العملين الصحيين بسبب كوفيد-19 في جميع أنحاء العالم.


بالإضافة للمخاطر الجسدية والعدوى بكوفيد-19 التي قد يتعرض لها العاملين الصحيين، فإن الوباء وضعهم في مستويات استثنائية من الكرب النفسي بسبب البيئات الخطرة التي يعملون بها وساعات العمل الطويلة والخوف الدائم من التعرض للعدوى وأيضا بسبب الانفصال عن أسرهم والانعزال الاجتماعي أو خوفهم من نقل العدوى لأطفالهم وزوجاتهم. تشير الدراسات التي تم مراجعتها من قبل منظمة الصحة العالمية والتي كانت قد أجريت على العاملين بالقطاع الصحي الموكل لهم رعاية مرضى كوفيد، أن واحد من أربعة عاملين يعانون من الاكتئاب وواحد من ثلاث يعانون من الأرق. كما أظهرت هذه الدراسات زيادة ملحوظة في تعرض العاملين في القطاع الصحي مع مرضى كوفيد-19 للعنف اللفظي والتميز ضدهم والعنف الجسدي.


حماية الكوادر الصحية من مخاطر العدوى البيولوجية يستوجب ما يلي:

1) على الحكومة ممثلة بوزارة الصحة ضمان تطبيق الحد الأدنى من سلامة المرضى بتوفير البيئة والبنية التحتية ومعايير السلامة في المنشأت الصحية بما في ذلك التطبيق الحازم لمعايير ضبط العدوى. ما سبق يهدف الوقاية ومكافحة عدوى كوفيد-19، في جميع المستشفيات والمراكز والعيادات على المستوى الوطني؛ في جميع القطاعات الحكومية والعسكرية والخاصة والأونروا، والقاطع الصحي التطوعي.

2) ضمان توافر معدات الحماية الشخصية PPE على مدار الساعة وفي كان مكان به مرضى كوفيد-19، بكميات مناسبة ونوعية معيارية جيد ومخزون احتياطي يضمن ديمومة الخدمات دون انقطاع، وضمان التدريب على استخدامها بالمعايير المهنية الخاصة بها.

3) ضمان بيئة صحية آمنة لكافة المرافق والمنشأت الصحية على المستوى الوطني بتوفير المياه الكافية والصرف الصحي المحكم وتوفير معدات النظافة الكافية والتهوية المناسبة.

4) توفير بيئة توفر للعامين الصحين مناطق استراحة وإطعام ونوم مناسبة، وخالية من مخاطر العدوى أو أية مخاطر أخرى.

5) يجب توفير وسائل معيارية لحماية العاملين الصحيين من الجروح بالمعدات المدببة والحادة.

6) توفير آلية للتبليغ الإداري عن أية أخطاء قد تلحق الضرر بالعاملين الصحيين أو بالمرضى، لوضع سياسات لتجنبها والوقاية من تكرارها.

7) ضمان تطعيم جميع العاملين الصحيين المعرضين للخطر ضد جميع أنواع العدوى التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، بما في ذلك التهاب الكبد باء والأنفلونزا الموسمية وفقاً للسياسات الوطنية، وفي سياق الاستجابة لحالات الطوارئ، إعطاء الأولوية لحصول العاملين الصحيين على لقاحات كوفيد-19 مباشرة بعد توفره.

8) توفير الموارد الكافية لحماية العاملين الصحيين من المخاطر الأخرى من مثل المخاطر الإشعاعية والكيماوية والإصابات العرضية والعنف من قبل الأخرين.


الحال في الأردن:

  1. ما قبل حقبة كورونا لم يكن لوزارة الصحة خطة معلنة ومطبقة بالميدان تتعلق بسلامة المرضى، وضبط العدوي بالمستشفيات والمراكز الصحية والعيادات، واقع الحال هذا فاقم عواقب وباء كورونا على المرضى وبالتالي على العاملين بالقطاع الصحي.

  2. معدات الحماية الشخصية المعيارية الكاملة لم تكن متوفر وكان يصعب الحصول عليها، ويبدو أنها كذلك لغاية الآن وخاصة في مستشفيات الحكومة.

  3. العديد من المنشأت الصحية وخاصة المراكز الصحية هي بالأساس ضعيفة البنية التحتية.

  4. نقص مزمن في الكوادر الطبية المدربة والمتخصصة في مجال الأوباء والمختصين في علاج العناية المركزة.

  5. بسبب الجهل او الفساد او البيروقرطية أو الترهل الإدراي او بسببهم جميعا، فشلت الحكومة بالتخطيط للتعامل مع المصير المنتظر للجائحة والذي كان مرتقب حدوثه حسب مراجع علوم الاوبئة وحسب النمط الذي مرت به الجائحة في مجتمعات اخرى.

  6. تحميل الكوادر الصحية وخاصة الاطباء سبب تفشي الوباء بينهم والنحي باللوم عليهم بأنهم لم يستخدموا معدات الوقاية الشخصية او انهم لا يعرفوا كيفية استخدامها، امر مستغرب ويجانب الحقيقة، فالمسؤلية ابتداءا تقع على الحكومة بتوفير هذه المعدات بمواصفات معيارية جيدة، وتدريب الكوادر الطبية على استخدامها السليم، وضمان توفرها الدائم في كافة أقسام المستشفيات والمراكز الصحية التي قد تتعامل من مرضى كوفيد-19 وايضا توفير كمية كافية في المخازن تضمن الوصول اليها عند الحاجة.

الدكتور هاني جهشان مستشار الطب الشرعي

الخبير في حقوق الإنسان وحقوق المرضى

89 عرض
هاتف 962795522062.JPG