top of page
  • صورة الكاتبمستشار أول الطب الشرعي الدكتور هاني جهشان

بصراحة، في اليوم العالمي لحماية الطفل من العنف


بصراحة... في اليوم العالمي لحماية الطفل من العنف
حماية الاطفال من العنف واجب وطني ومسؤولية حكومية

اليوم العالمي لحقوق الطفل المصادف للعشرين من شهر تشرين ثاني من كل عام هو تاريخ التوقيع على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل عام 1989 وأيضا تاريخ إعلان حقوق الطفل عام 1959، ولما كان حق حماية الطفل من العنف والإهمال والاستغلال والاتجار يُنْتَهك وبصمت وخلف جدران وابواب موصده، تم عام 2000 وبمبادرة من منظمة المؤتمر النسائي العالمي، تحديد اليوم السابق لتاريخ توقيع الاتفاقية والإعلان، أي التاسع عشر من شهر تشرين ثاني من كل عام، ليكون يوماً مخصصا للوقاية من العنف ضد الاطفال يتم من خلاله تسليط الضوء على برامج مواجهة التحديات والصعوبات التي تتعلق بحماية الأطفال من العنف بمرجعية تحقيق المصلحة الفضلى والرفاه لهم.

أنجز الأردن خلال العقدين الماضيين تقدما في مجال وضع معايير وقواعد للتعاطي من مشكلة العنف ضد الاطفال وكذلك تقديم الخدمات الصحية والقانونية والإجتماعية لضحايا هذا العنف، الا ان واجب الحكومة المباشر يجب أن يتعدى العموميات والتعامل السطحي مع المشكلة، إلى ضمان استمرار تطبيق هذه المعايير والخدمات. للأسف أخفقت الحكومات المتعاقبة ووزرائها والامناء العامين للمجالس والمؤسسات ذات العلاقة بديمومة الحفاظ على حقوق الطفل، وما شيوع جرائم القتل داخل الأسرة مؤخرا، من مثل جريمة طبربور وجريمة قتل الطفل الرضيع في الزرقاء وانتهاكات حقوق الأطفال في دور الرعاية الاجتماعية بما فيها مراكز رعاية ذوي الإعاقة واعتقال أطفال عشوائيا بتهمة التسول دون وجه حق، ما هو الا أدلة طفت على سطح الصمت على انتهاكات حقوق الطفل من قبل الجهات الرسمية بالتراخي وعدم تحمل المسؤولية.

إن الارادة السياسية للدولة، ممثلة بنهج جلالة الملك كانت ولا زالت الحفاظ على حقوق أطفال الأردن بما في ذلك الحق بالحماية من العنف، وعبارات جلالته خلال لقائه مع رؤساء الصحف اليومية بتاريخ 9/11/2008 عقب ما عرف بجريمة سفاح أبو علندة، الذي قتل أطفاله الثلاثة وجارته وأطفالها، جاءت توجيها واضحا وجليا لصانعي القرار وواضعي السياسات إلى ازالة العقبات التي تعيق تحقيق الحماية والوقاية من العنف ضد الطفل والمرأة، فشدد جلالته في حينه "على أولوية حماية المرأة والطفل من كل أشكال الاعتداء والعنف لأن في استمرار هذه الممارسات المرفوضة تخريب للمجتمع. وأكد جلالته أيضا إن هذه القضايا خطوط حمر لا يسمح بتجاوزها".

جلالة الملكة رانيا، وهي رئيسة المجلس الوطني لشؤون الأسرة، الذي أنشئ منذ 14 عاما، والذي ورد في المادة  الرابعة من قانون تأسيسه رقم 27 لسنة 2001: "يهدف المجلس إلى تعزيز مكانة الأسرة الاردنية وتعظيم دورها في المجتمع لتمكينها من المساهمة في المحافظة على مورث الآمة القيمي والحضاري بما يواكب التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المملكة ولهذه الغاية يعمل المجلس وبصورة خاصة على تحقيق ما يلي: -أ-المساهمة في وضع السياسات والاستراتيجيات والخطط التنموية ذات العلاقة بالآسرة وأفرادها ومتابعة تنفيذها...". وجلالة الملكة ايضا هي رئيسة مؤسسة نهر الأردن، المؤسسة التي أحد أهم مشاريعها حماية الأطفال من العنف منذ ما يقارب العشرين عاما والتي ورد في المادة الرابعة أيضا من قانون تأسيسها رقم 33 لسنة 2001: " تهدف المؤسسة الى المساهمة في... ج- اعداد وتنفيذ البرامج المتعلقة بمشاريع امن الاسرة وحماية الطفل والمشاركة في تنفيذ أي من المشاريع المتعلقة بهما". لقد كانت جلالتها أول من أبدى غضبه عقب فشل نظام الحماية بالأردن بالوقاية من تعذيب ووفاة الطفل يزن والطفل قصي في أيار 2009، وصرحت بالاعلام علناً "انه من المؤسف ان تكون لنا الريادة في مجال حماية الأطفال والاسرة ثم نفشل" وكلفت في حينه "المجلس الوطني لشؤون الأسرة" بمراقبة جهود حماية الأسرة كما ورد في المادة الرابعة من قانونه.  وفي حينه أيضا دعا جلالة الملك الحكومة بانه "غير مسموح الاعتداء على الأطفال والنساء ودعا أيضا إلى ضرورة وضع آلية عمل لحماية حقوقهم".

مضى ستة أعوام على جريمة أبو علندا وخمسة أعوام على مقتل الطفلين يزن وقصي بسبب التعذيب والعنف، وأربع أعوام على جريمة الأم التي قتلت أطفالها في السلط وغيرها العديد من الجرائم والانتهاكات التي شهدها مجتمعنا خلال تلك السنوات وخاصة بالعام الحالي، فأين نحن من توجيهات جلالة الملك وجلالة الملكة؟ لقد كانت كلمات جلالتيهما تذكيرا للحكومة بأنها الضامنة للحفاظ على حقوق مواطنيها وتمتعهم بحقوقهم الإنسانية الأساسية بحياة آمنة وخالية من العنف، ولكن يبدو أن الاستهتار بحقوق الطفل وصل مرحلة الخلل العميق والداء الذي لن يبرء بممارسة الصمت طوال كل هذه السنوات.

بصراحة... في اليوم العالمي لحماية الطفل من العنف
العنف ضد الاطفال مشكلة صجة عامة خطيرة

العنف ضد الطفل يؤدي إلى تكاليف إنسانية واقتصادية باهظة تفقر الأفراد والأسر والمجتمعات كما وإنه يعيق التنمية الشاملة للوطن، فبعد توجيهات جلالتيهما لا يوجد مجال للفشل عندما يتهدد الأنسان بأبسط حقوقه وتدمر أسر تحتضن أطفالا وترعاهم وتتفشى الجريمة بالمجتمع.

جلالة الملكة عقب مقتل يزن عام 2009 اشارت إلى فشل المؤسسات، فهل على الحكومة الحالية بقطاعاتها المعنية بالوقاية من العنف أن تعترف أن تواتر الجرائم الاسرية وزيادة شيوعها لا زال يشكل فشلا زريعا وأن عليها تصحيح المسار قبل فوات الأوان؟

يجب على الحكومة أن تتعامل مع جذور العنف على المستوى الوقائي بالإضافة للخدمات التي تقدم للضحايا والعمل الجاد على الوقاية من تفاقم عواقب العنف لدى الضحية ولدى اسرته، وعليها منع كافة أشكال العنف بمرجعية دستورية وقانونية وبمرجعية الاتفاقيات الدولية. في مجال الخدمات المباشرة مع الضحايا على الحكومة مسؤولية ان تكون هذه الخدمات سهلة النفاذ لكافة مواطنين المملكة، وان تشمل التحقيق في كافة الجرائم أينما وقعت ومحاكمة مرتكبيها ومعاقبتهم وتوفير طرق تأهيل الضحايا وتعويضهم عن الضرر الذي لحق بهم، ويتوقع ان يكون هناك قانون يضمن التعاون بين القطاعات المختلفة على مستوى السياسات في المجلس الوطني لشؤون الأسرة وعلى مستوى الخدمات في إدارة حماية الأسرة. على مستوى الموارد المالية والإدارية يتوقع من الحكومة أن تلتزم علنا بتوفير ديمومة مالية لمشاريع حماية الطفل وان لا تنتظر عطايا المشاريع من الدول المانحة، وان يتم ذلك بشفافية وبمواجهة اية مؤشرات لفساد، وعلى الحكومة ايضا ان تضمن توفير الكفاءات المهنية المدربة بالمعرفة والمهارة والملتزمة بالأخلاقيات المهنية بعيدا عن الاختيار بالواسطة والمحسوبية. كما ويتوقع من الحكومة ان توفر الظروف الملائمة لتوفر المراجع العلمية والمعرفية في مجال حماية الطفل وتفتح المجال امام الأكاديميين لإجراء الدراسات والأبحاث المتفقة مع الثقافة العربية.

إن استمرار تراخي وتقصير القطاع العام بالمهام المتوقع ان يقوم بها في مجال الحماية من العنف لا يمكن القبول به حيث أن الاخفاق يزيد من العواقب والآثار السلبية على الأفراد والأسرة والمجتمع، وعندما يتغاضى المجتمع والدولة صراحة أو ضمنا عن هذا النوع من العنف، فإن الإفلات من العقوبة لا يشجع على القيام بمزيد من الاعتداءات فحسب، وإنما يوجه رسالة مفادها أن مرتكب العنف الأسري يقوم بعمل مقبول وعادي مما يؤدي إلى أنكار العدالة على الضحايا من أطفال ونساء ويعزز العلاقات العنفية السائدة ويدعم عوامل الخطورة المولدة للعنف في المجتمع.

الدكتور هاني جهشان مستشار اول الطب الشرعي

الخبير في مواجهة العنف لدى مؤسسات الأمم المتحدة


Comentários


bottom of page